عبد الشافى محمد عبد اللطيف
380
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
أم نتحدث عما يجري من حصار قاتل لبلاد عربية إسلامية ، مثل العراق وليبيا بحجة أنهما لا ينفذان قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، في الوقت الذي صدرت فيه ضد إسرائيل قرارات من هاتين الهيئتين - تقارب المائتين - لم تنفذ منها قرارا واحدا ، ولم يستطع أحد حتى أن ينقدها أو يوجه لها لوما ، لهذا نقول : إن واقع العالم الإسلامي واقع مرير حتى وإن بدا أن كل دولة مستقلة ، وأن معظم رؤسائها يقولون : إنهم أحرار في اتخاذ قرارهم ، فلهم أن يقولوا ما يشاؤون ولعلهم صادقون من وجهة نظرهم ، ومن حق غيرهم أن يختلف معهم فيما يقولون ، والخلاف كما يقولون لا يفسد للود قضية ، فالعالم الإسلامي من وجهة نظرنا يمر اليوم - ونحن نعيش في نهاية الربع الأول من القرن الخامس عشر الهجري ونهاية القرن العشرين - بمرحلة لعلها الأسوأ في كل تاريخه منذ ظهر على وجه الأرض . ونحن لا ننكر أن العالم الإسلامي قد مر قبل ذلك بأزمات ، بل بنكبات كثيرة في مسيرته التاريخية ، ولكنه كان في كل مرة يخرج منها سليما معافى ، ويستأنف سيره المعتاد ، ولعل تعرض العالم الإسلامي للغزو الصليبي من الغرب ، والغزو المغولي من الشرق ، فيما بين نهاية القرنين الخامس والسابع الهجريين / الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين ، لعل ذلك كان أشد وأقسى النكبات التي حاقت به حتى بدا كأن العالم الإسلامي صائر إلى زوال « 1 » . غير أن النتيجة كانت خلاف ذلك ؛ فقد انتصر الإسلام في النهاية على هذين العدوين الخطيرين ، ورد الصليبيين إلى بلادهم مهزومين مدحورين ، يجرون أذيال الخيبة والخسران . أما المغول فبعد هزيمتهم عسكريّا - لأول مرة منذ خروجهم من بلادهم غازين مدمرين - على أيدي المسلمين في موقعة عين جالوت الخالدة على أرض فلسطين العربية الإسلامية سنة ( 658 ه / 1260 م ) . بعد هزيمتهم تلك أتبع الإسلام نصره العسكري عليهم نصرا آخر أعظم فقد أدخلهم سلما وطواعية في عقيدته وأذابهم في
--> ( 1 ) انظر ما قال المؤرخ العربي المسلم ابن الأثير عن نكبة الغزو المغولي لبلاد المسلمين ، وما أحدثوه من خراب ودمار ووحشية جعلته يتردد في كتابة وتسطير هذه الكارثة وحتى ظن أن العالم الإسلامي سيتلاشى ، وابن الأثير يقول هذا مع أنه لم يشهد ما فعله المغول ببغداد عاصمة الخلافة العباسية ، بل عاصمة الإسلام والمسلمين في ذلك الوقت سنة ( 656 ه / 1258 م ) فماذا كان يمكن أن يقول لو عرف أنهم قتلوا من سكانها أكثر من مليون ودمروا حضارتها وصنعوا من الكتب جسرا عبروا عليه نهر دجلة بخيولهم ؟ ! توفي ابن الأثير سنة ( 630 ه ) - انظر الكامل في التاريخ ( 12 / 358 ) .